المباني الخضراء في السعودية: جزء أساسي من رؤية 2030

العمارة هي أحد العلوم والفنون الذي كان موجوداً منذ قديم الأزل، وظلت العمارة تتطور على مر السنوات والقرون لتستطيع أن تتناسب مع إحتياجات الإنسان المتغيرة بإستمرار. وفي الوقت الحالي، بدأت معظم دول العالم في إدراك مدى أهمية الممارسات التي لا تضر البيئة والبحث عن أرض مشتركة بين الصناعات الحديثة وبين هذه الممارسات. ولعل أحد أبرز الأمثلة في هذا المضمار هو الإهتمام المتزايد بمجال العمارة المستدامة في منطقة الخليج العربي خاصة الإستثمار الضخم في المباني الخضراء في السعودية.

ومصطلح المباني الخضراء أو المباني المستدامة هو يطلق على المباني الحديثة الصديقة للبيئة التي تتمتع بكفاءة عالية في إستهلاك الموارد خاصة الطاقة. وقد بدأت حركة في جميع أرجاء العالم شملت الكثير من البلدان تهدف إلى نشر وتعميم هذا النوع من الأبنية والمحافظة على البيئة على المستوى العالمي.

وقد أتي هذا الإهتمام مصحوباً بالإنخفاض الحاد الذي شهدته أسعار البترول في السنوات الأخيرة والذي حدث لعدة  أسباب أهمها إكتشاف الكثير من الموارد البترولية في مناطق أخرى من العالم من ناحية والتطور المتسارع الذي شهدته قطاع صناعات الطاقة النظيفة من ناحية أخرى.

وفي محاولة من دول الخليج العربي التي دائما ما كان قطاع الصناعات البترولية هو المكون الأساسي والعمود الفقري لإقتصادها للتأقلم مع هذا الإتجاه الجديد الذي يشهده العالم بقوة، بدأت دول الخليج العربي في التركيز على تطوير وتنمية القطاعات الغير بترولية بها. وفي حالة المملكة العربية السعودية، فإن هذا الإهتمام جاء كخطوة نحو تقليل إعتمادها على قطاع البترول وتنويع مصادر دخلها وهو أحد أهم أهداف رؤية السعودية 2030 التي تم الإعلان عن ملامحها مؤخراً.

ولأن قطاع العقارات يعد ثاني أكبر عقارات المملكة العربية السعودية وأيضاً بسبب تأثره سلباً بشكل غير مباشر بالهبوط في أسعار البترول، فإن هذا القطاع حاز على إهتمام كبير من السياسات والبرامج والتغييرات الإقتصادية والإجتماعية التي حفزتها حكومة السعودية مثل تطبيق رسوم الأراضي البيضاء وضريبة القيمة المضافة. وقد أدى هذا بدوره إلى زيادة الإهتمام بالمباني الخضراء إذ أنها تشكل تقاطعاً بين قطاع العقارات وبين قطاع الطاقة النظيفة.

ومن الجدير بالذكر هنا أن حجم الإستثمار في المباني الخضراء في السعودية يعد ثالث أكبر إستثمار في هذا القطاع على مستوى العالم، بل أن المملكة العربية السعودية تسعى إلى أن تكون صاحبة الإستثمار الأكبر عالمياً في المباني المستدامة. وفي الوقت الحالي، يوجد هناك العديد من المشاريع التي ما زالت تحت الإنشاء الحاصلة على شهادة ليد (الريادة في الطاقة والتصميم البيئي) سواءً في المدن السعودية الموجودة بالفعل أو المدن المستقبلية التي يجري تطويرها.

بسبب ذلك، نلقي في هذا المقال نظرة مقربة على أهم التطورات الخاصة بالمباني الخضراء في السعودية وتأثيرها المتوقع على إقتصاد المملكة في المستقبل:

  • آخر التطورات:

كما ذكرنا من قبل، فإن المباني المستدامة تمثل جزءً حيوياً وهاماً للغاية من التغييرات الجذرية التي تجري حالياً في الهيكل الإقتصادي والإجتماعي للمملكة العربية السعودية. مؤخراً، بدأت السعودية في تبني ودعم والإنضمام إلى الكثير من المبادرات المحلية والعالمية التي تهدف لنشر إستخدام مفهوم المباني الخضراء عالمياً مثل مبادرة الميثان العالمية ومبادرة الحد من إنبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون ومبادرة الإبتكار.

وقد إنعكس هذا الإهتمام في عدة معارض ومؤتمرات تم إستضافتها مؤخراً في السعودية ومنها:

  • منتدى المنازل المستدامة:

1

تم إفتتاح منتدى المساكن المستدامة في الرابع عشر من مايو من عام 2018 على يد وزارة الإسكان السعودية. بجانب هذا، أعلن وزير الإسكان السعودي عن تدشين نظام الجودة وتقييم الإستدامة الذي تم تصميمه لغرض إرساء معايير مراقبة وضمان جودة الأبنية المستدامة في السعودية ورفع مستوى الكفاءة الخاص بها.

بالإضافة إلى الأهداف السابق ذكرها، فإنه من المتوقع أن يكون لهذا النظام الجديد تأثيراً إيجابياً قوياً على سوق العقارات في المملكة العربية السعودية حيث أن هذا النظام سيساعد على تحفيز حركة بيع وشراء العقارات ورفع مستوى الجودة وتسهيل التواصل ما بين الأفراد والمستثمرين من جهة وما بين شركات التطوير العقاري من جهة أخرى وتقليل تكلفة الكهرباء والطاقة على مواطنو المملكة العربية السعودية.

  • بيغ 5 سعودي:

2

وهو حدث سنوي ضخم يهدف لدعم وتطوير قطاع الإنشاءات في المملكة العربية السعودية، وقد أقيمت فعاليات نسخته السنوية التاسعة هذا العام على مدار أربعة أيام من الخامس حتى الثامن من مارس.

وإستطاعت نسخة هذا العام من المعرض أن تجذب 280 مستثمر من أكثر من 20 دولة حول العالم بالإضافة إلى ما يزيد عن 13،000 زائر، وقد كانت الأبنية المستدامة هي التيمة الأساسية في هذا المعرض.

ويمكن إرجاع السبب وراء هذا العدد الضخم من المستثمرين والزوار الذين إستقبلهم المعرض إلى الأخبار التي أعلنتها المملكة العربية السعودية مؤخراً بخصوص إطلاق العديد من المشاريع الكبرى والمدن المستقبلية بها مثل مدينة نيوم التي ستكون أول مدينة عابرة للحدود في المنطقة ومدينة القدية التي ستكون أكبر مدينة ترفيهية في العالم عند الإنتهاء من تطويرها ولا ننس أيضاً المشاريع التي بدأ العمل عليها منذ سنوات مثل مدينة الأمير عبد العزيز بن مساعد الإقتصادية التي يتم تطويرها في منطقة حائل.

ومن الجدير بالذكر أن نسخة العام القادم من المعرض سوف يتم إقامتها في مدينة جدة الساحلية والتي تعد أحد أكثر الأسواق العقارية حيوية في داخل المملكة. وسوف يتم إقامة المعرض من العاشر حتى الثالث عشر من مارس القادم.

مستقبل الأبنية الخضراء في السعودية:

3

طبقاً لد محمد الصرف، أحد أعضاء مجلس إدارة معهد تصديق المباني الخضراء، فإنه من المتوقع لقطاع المباني السكنية في المملكة العربية السعودية أن ينمو بنسبة تتراوح ما بين 30% و40% في خلال عام 2018 إذ أن المساحة الإجمالية التي تحتلها المباني السكنية ستزيد على 250،000 متر مربع. وأضاف الصرف أن هذه المساحة ستزيد بمعدل متزايد خلال الخمس سنوات القادمة يتراوح ما بين 25% و40% سنوياً.

وهذا النمو الهائل في إستخدام وتطبيق مفهوم المباني الخضراء في السعودية بشكل خاص وفي السوق العقاري السعودي بشكل عام لا يدعمه المشروعات الكبرى في المملكة التي تم الإعلان عنها مؤخراً فقط، بل أيضاً المبادرات والبرامج العديدة التي دشنتها وزارة الإسكان السعودي لدعم سوق العقارات السكنية في المملكة (برنامج سكني على سبيل المثال).

كل هذه العوامل والفعاليات والمبادرات هي مؤشرات قوية على الدور الكبير الذي ستقوم بلعبه المباني الخضراء في السعودية في الفترة القادمة خاصة في إعادة تشكيل البيئة الإقتصادية والإجتماعية الخاصة بالمملكة. ومع النمو المتوقع حدوثه في خلال السنوات القادمة في سوق العقارات السعودي، فالأغلب أننا سوف نشهد المزيد من محاولات ومبادرات المملكة في مجالي العقارات والطاقة النظيفة في الفترة القادمة.

 

مقالات ذات صلة

تحميل التعليقات