ظل سوق العقارات وقطاع الهندسة المعمارية لوقت طويل حكر على الرجال فقط. ويرجع ذلك إعتقاد سائد تحول مع الوقت إلى ما يشبه القانون الغير مكتوب أن الوظائف المرتبطة بهذا المجال مثل وظائف الوكلاء العقاريون والمهندسين والسماسرة لا يصلح أن يقوم بها السيدات على الإطلاق. لكن على الرغم من هذا، برزت بين الحين والآخر عبر السنوات والعقود الماضية عدة سيدات أثبتن عدم صحة هذا المبدأ وهدمن الهالة التي تم بناؤها حول مجال العقارات. وفي الوقت الحالي، لم يعد من الغريب أن تسمع عن قصص ناجحة لكثير من السيدات في مجال العقارات قاموا بترك بصماتهم الواضحة في المجال.

ومن الجدير بالذكر أن إهتمام المجتمع الدولي في السنوات الأخيرة بتمكين المرأة والمساواة بين الجنسين قد إزداد بشكل ملحوظ وإنعكس هذا بصورة واضحة في جميع المجالات والصناعات التي كانت تعد من أشباه المحرمات على المرأة من قبل، وليس فقط في مجالي العقارات والهندسة المعمارية.

أصبحنا نسمع بشكل شبه يومي عن إسم جديد لسيدة استطاعت أن تبرز كواحدة من أفضل الرواد في مجالها – سواء كان هذا المجال رياضة أو فن أو صناعة ما – واكتسبت إحترام خبراء هذا المجال لإثباتها أن السيدات تستطعن أن تقوم بنفس الأعمال بنفس درجة الكفاءة.

لكن لعل نجاح السيدات في مجال العقارات كان بارزاً أكثر من غيره بسبب أثره الواضح والجلي الظاهر في روائع المعمار الحديث والمشاريع الفخمة التي دائما ما تذهل زوارها خاصة في أكبر المدن الجاذبة للسياح والمدن المستقبلية حول العالم.

في هذا المقال، نستعرض سوياً نبذة عن 5 من أكبر وأشهر السيدات في مجال العقارات الذين قاموا بتغيير سوق العقارات للأبد وبعض من أهم أعمالهم وإنجازاتهم:

  • زها حديد

زها حديد

تعد السيدة زها حديد البريطانية ذات الأصول العراقية واحدة من أفضل وأشهر المهندسات المعماريات في العصر الحديث، إن لم تكن أشهرهن على الإطلاق بالفعل. ولا نبالغ إذا قلنا أنها تعد أسطورة في مجالها حيث أنها حققت العديد من الإنجازات وحازت العديد من الجوائز والألقاب المعروفة عالمياً في مجال الهندسة نظراً لتصاميمها الإبداعية  وتعدد أعمالها ومشروعاتها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، قامت جريدة ذا جارديان البريطانية الشهيرة بوصفها ب”ملكة المنحنيات المعمارية.”

لكن لعل أبرز إنجازات السيدة زها حديد الشخصية هو أنها كانت أول سيدة تفوز بالميدالية الملكية الذهبية من المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين، وحتى هذه اللحظة تعد هي السيدة الوحيدة التي فازت بهذه الجائزة. بالإضافة إلى هذا، فإن زها حديد كانت أول سيدة في التاريخ تفوز بجائزة بريتزكر المعمارية في عام 2004، وقد فازت أيضاً بجائزة ستيرلينج، وهي تعد أعلى وسام في مجال الهندسة المعمارية في المملكة المتحدة، لمرتين على التوالي في عامي 2010 و 2011.

إذا قمت بزيارة أي مدينة من المدن العالمية الكبرى، فهناك فرصة كبيرة أن ترى أحد مشاريع زها حديد الرائعة والتي تعكس مهاراتها الإستثنائية وإبداعها الفريد من نوعه. هذا لأن أعمال زها حديد تتضمن تحف معمارية كثيرة منتشرة في جميع أرجاء العالم  مثل محطة قطار ستراسبورغ في مدينة ستراسبورج بألمانيا ومركز لندن للرياضات المائية في المملكة المتحدة واستاد الوكرة في قطر والذي سيستضيف مباريات دورة كأس العالم لكرة القدم التي ستقام في عام 2022 في قطر.

توفت السيدة زها حديد في عام 2016، لكن تراثها وأعمالها الرائعة ستظل تحيي إسمها لعقود طويلة قادمة. بل أنه هناك العديد من مشاريعها الكبرى التي ما زالت في طور الإنشاء في الوقت الحالي. لا يمكن أن ينكر أحد أن زها حديد قد قامت بدور كبير في تغيير صورة وفكرة المجتمع عن عمل السيدات في المجالين العقاري والمعماري.

  • دينيس سكوت براون

دينيس سكوت براون

تعتبر دينيس سكوت براون من أهم القامات والشخصيات التي أُثرت وتركت بصمتها الواضحة في مجال الهندسة المعمارية والعقارات في القرن الماضي وتعد من أشهر السيدات في هذا المجال. وقد اشتهرت دينيس سكوت براون بأسلوبها شديد التعقيد في تصميماتها المعمارية.

و بروان معروفة بمزجها في تصميماتها بين الأفكار والأساليب الشرقية والغربية دون أن تغفل عوامل مهمة تأخذها في عين الإعتبار مثل الثقافة والأحوال المجتمعية والثقافية للمناطق والمدن التي تقيم مشاريعها بها. وقد قامت براون بإبتكار فلسفة معمارية خاصة بها تعرف بإسم (Form, Forces and Function Studios (FFF Studios. 

 تعبر براون في هذه الفلسفة عن اقتناعها بأن المهندسون المعماريون لا يمكنهم تجاهل الظروف والأحوال الإجتماعية والبيئية الخاصة بالمدن الذين يقيمون مشاريعهم بها حيث أنه لهذه العوامل تأثير كبير على التصميمات والأنماط التي تناسب كل مدينة على حدة وما قد يناسب مدينة معينة قد لا يناسب الأخرى.

بجانب إضافاتها للهندسة المعمارية كصناعة وعلم – حيث أن براون تقوم بتدريس الهندسة المعمارية ولها عدة كتب في هذا المجال – فإنها تعد من أولى السيدات في مجال العقارات ولها تاريخ طويل في الدفاع عن حقوق المرأة في أن تجد فرص وحقوق متكافئة مع الرجل في هذه الصناعة. وقد قامت براون بنشر مقال شهير لها في عام 1989 تحدثت فيه بشكل صريح عن مواضيع كانت تعتبر من الأشياء المسكوت عنها لفترة طويلة والتي كانت تعاني منها النساء في المجال مثل التفرقة العنصرية على أساس النوع والعوائق التي كانت توضع أمامها لكي لا تصبح شريكة في الشركة التي كانت تعمل بها.

وقد كان الحديث عن العنصرية في ذلك الوقت أمر شائك لدرجة أن براون نشرت المقال في عام 1989 بالرغم من أنها قامت بكتابته في عام 1975 خوفاً منها على الضرر الذي قد يلحقه هذا المقال بمستقبلها الوظيفي. ولهذا السبب، فإن براون تعد مثلاً أعلى لكثيرات من السيدات في مجال العقارات.

  • إليزابيث كريست ترامب

إليزابيث كريست ترامب

وهي التي أسست فعلياً علامة (ترامب) التجارية الشهيرة في مجال العقارات، وقد وجدت إليزابيث ترامب نفسها مسئولة وحدها عن إدارة أملاكها وأملاك زوجها بعد وفاته في سن صغير في عام 1918.

وإستطاعت إليزابيث ترامب الألمانية الأصل أن تدير أملاكها حتى نجحت في أن تنشأ شركة التطوير العقاري الخاصة بها تحت إسم (إليزابيث ترامب وأبنائها) مع إبنها فريد ترامب، وهي الشركة التي تعرف الآن بإسم مؤسسة ترامب والتي يمتلكها دونالد ترامب، الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى الرغم من وفاتها منذ أكثر من 50 عام، فإن نجاح إدارة إليزابيث ترامب لأملاكها وأملاك إبنها ما زال أثره واضح حتى يومنا هذا حيث أن إدارتها للشركة ومن بعدها إبنها لم تؤد فقط إلى تأسيس واحدة من أهم شركات العقارات في العالم، بل أنها بطريقة غير مباشرة كان لها تأثير على العالم كله عبر حفيدها الذي أصبح رئيس الولايات المتحدة.

  • باربرا كوركوران

باربرا كوركوران

تشتهر باربرا كوركوران بكونها واحدة من المستثمرين الحكام في البرنامج التليفزيوني الأمريكي الشهير “شارك تانك،” وهي تعد إحدى أبرز الأسماء ليس فقط في مجال العقارات لكن في مجال الأعمال كله. حيث أن كوركوران سيدة أعمال عصامية بدأت شركتها المعروف بإسم ذا كوركوران جروب في عام 1973 برأس مال يقدر ب 1000 دولار اقترضته من صديقها عندما كانت تعمل نادلة في إحدى المطاعم. وبعد ما يقرب من أربعة عقود في عام 2001، باعت كوركوران المجموعة لشركة إن ار تي بمبلغ يقدر بحوالي 66 مليون دولار.

ولا تقتصر أهمية ودور كوركوران كإحدى أكبر السيدات في مجال العقارات على استثماراتها الحالية في العديد من الشركات الناجحة فقط، بل أنها تكتب مقالات في عدة مجلات اقتصادية ناجحة ومهمة كما أنها لها عدة كتب في مجال التطوير العقاري. بالإضافة إلى هذا، فهي تنشر تقرير يحمل إسمها منذ سبعينيات القرن الماضي بشكل دوري تتحدث فيه عن رؤيتها وتوقعاتها لما يحدث في سوق العقارات.

  • ديبرا كافارو

ديبرا كافارو

هي واحدة من أقوى وأذكى وأهم سيدات الأعمال في مجال العقارات. ديبرا كافارو هي المديرة التنفيذية ورئيسة شركة فينتاس الإستثمارية التي تساوي قيمتها أكثر من 37 مليار دولار والتي تعتبر إحدى أكبر 500 شركة مالية أمريكية حسب قيمة أسهمها طبقاً لمؤشر إس و بي 500. وتتخصص شركة فينتاس في مجال منشآت واستثمارات الرعاية الصحية ولها مشاريع عديدة في الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وكندا.

ولعل أكثر ما يبرز عبقرية كافارو هو التغيير الذي أحدثته في شركة فينتاس، فعندما انضمت كافارو للشركة أول مرة كمديرة تنفيذية في عام 2000، كانت الشركة تواجه أزمة مالية حادة وكانت على وشك إعلان إفلاسها. لكن مع انضمامها للشركة، استطاعت كافارو أن تغير من وضع فينتاس 180 درجة لتصبح واحدة من أقوى شركات الإستثمار العقاري. تحت قيادة كافارو، تم إختيار فينتاس كأكثر شركة مساهمة ناجحة واختارتها مجلة فورتشن كواحدة من أفضل شركات العقارات في العالم كله.

بإمكاننا القول أن كافارو كانت الجواد الرابح لشركة فينتاس. ولهذا، فإنها قد حازت على العديد من الجوائز والتقديرات وهي واحدة من 23 مدير تنفيذي فقط تم تصنيفهم كأحد أفضل المديرين التنفيذيين على مستوى العالم لأربع سنوات متتالية طبقاً لمجلة بيزنس هارفارد ريفيو.

لا يوجد شك أن المرأة تستمر في كسر الحواجز وصناعة دور لنفسها في المجالات التي كانت محظورة عليها من قبل. لذا، فمن المتوقع أننا سنسمع عن المزيد من قصص نجاح السيدات في مجال العقارات وفي المجالات الأخرى خلال السنوات القادمة.