لطالما ظل إيجاد السكن أحد أكبر هموم ومشاكل البشر عبر التاريخ، بسبب كون السكن واحد من الحاجات الثلاثة الأساسية والضرورية لتواجد أي شخص بعد المأكل والمشرب. ولعل الحاجة إلى إيجاد المأوى المناسب كانت هي الدافع الرئيسي وراء التطور والنمو المستمر لصناعة العقارات والأسواق العقارية حول العالم، فالعلماء والخبراء بل ومختلف حكومات العالم كانت ولا زالت تسعى لإيجاد حلول جديدة فعالة لهذه المعضلة. ويعد إستخدام الطابعة الثلاثية الأبعاد لبناء المنازل واحدة أحدث هذه الحلول وأكثرها تأثيراً.

في يومنا هذا، يوجد ما يزيد عن مليار شخص في العالم يعيشون بدون مأوى مناسب، ومعظم دول العالم تواجه مشكلة الكثافة السكانية المتزايدة من ناحية، ونقص المساكن الملائمة الكافية من ناحية أخرى.

بشكل عام، هناك أسباب أكثر من أن يسعنا ذكرها هنا التي يمكننا إيعاذ مشكلة عدم توافر المساكن المناسبة لها، لكن لعل أهم وأبرز هذه الأسباب هي التكلفة العالية لمشاريع البناء خاصة تلك المخصصة لمحدودي الدخل والمدة الطويلة التي تتطلبها هذه المشاريع، بالإضافة إلى العائد على الإستثمار القليل نسبياً.

تطور الطباعة ثلاثية الأبعاد:

وقد تم إختراع مفهوم الطباعة ثلاثية الأبعاد في ثمانينيات القرن الماضي بواسطة مهندس أمريكي إسمه تشاك هال كأولي تقنية تحقق هدف الطباعة السريعة للنماذج ثلاثية الأبعاد والتي تنفذ الطباعة على هيئة طبقات متتالية. وعلى الرغم من أن تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد إنتشر إستخدامها بشكل تجاري موسع منذ أقل من عشر سنوات، إلا أنها كان لها تأثيراً ضخماً على العديد من الصناعات. بل أن هذا التأثير تضخم مع الوقت وتزايدت سرعته إذ أنه مر وما زال يمر بالعديد من التطورات المتلاحقة.

ومما لا شك فيه أن الطباعة ثلاثية الأبعاد كان لها تأُثيراً ملحوظاً ومحورياً على الصناعات التي تم إدراجها فيها حتى الآن، إذ أنها ساهمت في تقليل التكلفة والوقت المعتادين اللاتي تتطلبهما صنع منتجات هذه الصناعات. فما كان يتطلب في الماضي أيام وأسابيع بل وشهور في بعض الأحيان لصناعته، أصبح من الممكن الآن تصنيعه في ساعات أو أيام معدودة.

لهذا، فإن تلك التقنية يتم إستخدامها في الوقت الحالي في تصنيع العديد من المنتجات التي تتراوح ما بين الحذاء الرياضي والسيارة. بل أن بعض الباحثين والعلماء إقتربوا من إستخدام تلك الطابعات في طباعة أعضاء جسدية صناعية.

مميزات إستخدام الطابعة ثلاثية الأبعاد لبناء المنازل:

ومن الجدير بالذكر أن صناعة المنازل والعقارات تأثرت تأثراً كبيراً ببدء إستخدام تكنولوجيا الطابعة الثلاية الأبعاد لبناء المساكن. هذا لأن المنازل التي تم بناؤها بواسطة تلك الطابعات لها العديد من المزايا ومنها:

  • تقليل التكلفة:

إستخدام الطابعة ثلاثية الأبعاد لبناء المنازل يهدف بشكل أساسي إلى حل إحدى معضلات أزمة صناعة الإسكان الكبيرة وهي تكلفتها العالية. ففي الواقع، هناك منزل تم بناؤه بواسطة تلك التقنية في الصين بتكلفة لم تتعدى ال5،000 آلاف دولار. ولا نحتاج أن نقول أن ميزة مثل تلك من شأنها أن تساعد الكثير من الأشخاص محدودي الدخل والعائلات الفقيرة في إيجاد مسكن مناسب لهم ولذويهم.

  • تقليل المدة:

إستخدام تلك التقنية في بناء المنازل لا يوفر فقط في تكاليف البناء، بل أنه يوفر أيضاً في الوقت الذي تتطلبه تلك المشاريع حيث أن الطابعة ثلاثية الأبعاد يمكنها إنتاج الوحدات السكنية في وقت أقل بكثير من الوقت الذي تتطلبه وسائل البناء التقليدية.

على سبيل المثال لا الحصر، إستطاعت شركة أمريكية ناشئة تسمى شركة (أيكون) أن تقوم بإستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد لبناء منزل يتكون من دور واحد تمتد مساحته ل650 قدم مربع في مدة لم تتجاوز الأربع وعشرين ساعة. هناك أمثلة أخرى ناجحة مثل شركة هواشانج تينجدا الصينية المتخصصة في مجال المقاولات والتي إستطاعت بناء منزل يتكون من دورين على مساحة 400 متر مربع في أقل من شهر بإستخدام تلك التقنية.

أيضاً، قامت شركة صينية أخرى تدعى وين صن للتصميم الهندسي والديكورات ببناء عشر منازل كاملة في خلال يوم واحد عبر الطابعة ثلاثية الأبعاد. ومن المؤكد أنه مع التطور المستمر والمتسارع الذي تشهده تلك التقنية، فإن هذه الأرقام سوف تقل في المستقبل.

  • هياكل قوية:

قد يكون إنطباعك الأولي عن إستخدام الطابعة ثلاثية الأبعاد لبناء المنازل أنها تنتج وحدات ضعيفة البنية، لكن العكس تماماً هو الصحيح. فالمثال الذي ذكرناه مسبقاً الخاص بالمنزل ذو الدورين الذي قامت ببناؤه إحدى الشركات الصينية يمكنه أن يتحمل زلزال تصل قوته إلى 8 ريختر.

لقد تطورت الطباعة ثلاثية الأبعاد بدرجة كبيرة سمحت بإستخدام الخرسانة كإحدى مواد الطباعة وهو ما أدى إلى إنتاج منازل تستطيع تحمل الكوارث الطبيعية مثل الزلازل والأعاصير.

  • حرية التصميم الإبداعي:

على عكس القيود التي تفرضها وسائل وعمليات البناء وأساليب العمارة التقليدية بسبب الشكل المستطيل الواجب بناء كل المباني على أساسه، فإن الطباعة الثلاثية الأبعاد التي لا تتقيد بأشكال أو قوالب معينة للبناء سوف تسمح للمهندسين المعماريين بأن يطلقوا العنان لإبداعاتهم وتصميماتهم، مما سيفتح الباب لتصميمات مباني خلابة ومبدعة. سمة مثل هذه سوف تسمح لأصحاب المنازل بإمتلاك تصمايم متفردة لمنازلهم.

عيوب إستخدام الطابعة ثلاثية الأبعاد لبناء المنازل:

مثل جميع التقنيات المعروفة، وعلى الرغم من مزاياها الكثيرة، فإن إستخدام الطابعة ثلاثية الأبعاد في عمليات البناء له بعض العيوب والمخاطر التي ما زالت تحد من توسع هذا الإستخدام تجارياً:

  • محدودية المواد المستخدمة:

حتى وقتنا هذا، تعد المواد المستخدمة في الطباعة ثلاثية الأبعاد محدودة مقارنة بتلك المستخدمة في وسائل وطرق البناء التقليدية. وتعتمد الطابعات الثلاثية الأبعاد بشكل كبير على البلاستيك والمواد المعاد تدويرها. ويذكر أنه مؤخراً تم تطوير طابعات ثلاثية الأبعاد يمكنها إستخدام الذهب والزجاج كمواد في الطباعة، لكن لم يتم إنتشار هذه التقنية بشكل تجاري بعد.

  • ثمن الطابعات ثلاثية الأبعاد:

على الرغم من أن تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد تتكلف وقتاً ومالاً أقل نسبياً من الوقت والمال اللاتي تتطلبه الوسائل التقليدية، فإن ثمن آلات الطباعة نفسها باهظ جداً ويبدأ من مئات الآلاف من الدولارات، فضلاً عن تكلفة نقلها من موقع لآخر وتخزينها في كل موقع.

  • المخلفات السامة:

بعض الباحثون وجدوا أن بعض المواد المستخدمة في الطباعة الثلاثية الأبعاد قد تؤدي إلى إنبعاث مخلفات سامة على شكل جزيئات دقيقة تصل أعدادها إلى المليارات. وعلى الرغم من أن هذه المشكلة ما زالت محل الدراسة والبحث، إلا أنه ينصح بشكل عام بتركيب نظام تهوية جيد في المكان الذي يتم وضع الطابعة فيه.

على الرغم من هذه العيوب السالف ذكرها، فإنه من المتوقع أن يتم إستخدام الطابعة ثلاثية الأبعاد لبناء المنازل بشكل أكبر وأوسع في المستقبل القريب بسبب التحديثات والتطورات المستمرة التي تشهدها التقنية والتي من شأنها أن تحد من آثارها السلبية بشكل كبير.

فمع التطورات الكبرى والمحورية التي تنتشر في الوقت الحالي مثل المباني المستدامة والمنازل المبنية بواسطة الطابعة الثلاثية الأبعاد، فإن حدوث تغييرات جذرية في مجالي الهندسة المعمارية والبناء هو أمر شبه حتمي.