هبوط سوق العقارات في السعودية:

على الرغم من أن العالم بأكمله قد شهد العديد من التغييرات المحورية في خلال العام السابق عام 2017، إلا أن التغييرات التي تمت في المملكة العربية السعودية كانت صادمة للكثيرين. وعلى الرغم من هذا، فإن هذه التغييرات كانت ولا زالت تعد ضرورية إلى حد كبير بعد أن عانت المملكة من هبوط حاد في أسعار البترول وما تبعه من ركود السوق العقاري فيها.

ويعود هذا إلى إعتماد السعودية على الصناعات البترولية بشكل شبه كامل إذ أنها صاحبة ثان أكبر إحتياطي من مخزون النفط في العالم كله. بل أنها قد ظلت محتلة المرتبة الأولى كصاحبة أكبر إحتياطي من مخزون النفط حتى وقت قريب عندما تم إكتشاف آبار بترولية في فنزويلا أدت إلى صعودها للمركز الأول.

لهذا، فإننا لا نبالغ حينما نقول أن الصناعات البترولية كانت بمثابة العمود الفقري للإقتصاد السعودي، إلى جانب سوقها العقاري.حيث أن الصناعات البترولية تساهم بنحو 30 – 40% من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، وبالطبع لا نغفل ذكر القطاعات الأخرى المعتمدة على الصناعات البترولية بدورها.

والسبب وراء هذا الإعتماد لم يكن فقط وفرة إحتياطي النفط لدى السعودية، بل أيضاً لعبت طبيعة المجتمع السعودي المحافظة دوراً في هذا حيث أنه كان من الصعب على السعودية أن تجذب إنتباه مستثمرين بعض القطاعات الحيوية الأخرى مثل السياحة والترفيه إليها على عكس منافسيها من دول الخليج الأخرى.

نتيجة لهذا، فإن الإقتصاد السعودي قد تضرر بشكل واضح من الهبوط الذي حدث في أسعار النفط في السنوات الأخيرة. وهذا الهبوط كان السبب من وراءه إكتشاف آبار بترول كبرى في مناطق أخرى حول العالم (مثل فنزويلا وولاية نورث كارولينا في الولايات المتحدة الأمريكية) من ناحية وإتجاه العالم نحو الإعتماد بشكل أكبر على مصادر الطاقة النظيفة من ناحية أخرى.

(ملحوظة: هذا المقال يناقش توقعات أداء السوق العقاري السعودي في عام 2018. يمكنك زيارة الرابط التالي إذا أردت قراءة مراجعتنا لأداء السوق السعودي الفعلي في عام 2018).

كيف أثر هبوط أسعار البترول على الإقتصاد وعلى سوق العقارت في السعودية؟

ar-blog-1

يمكن إرجاع هذا إلى ما يسمى بتأثير الدومينو، وهو ما يحدث عندما تدفع قطعة دومينو صغيرة فتقوم هي بدفع التي تليها ذات الحجم الأكبر قليلاً وهكذا. كما شرحنا من قبل، كان الإقتصاد السعودي معتمد بشكل حرج على الصناعات البترولية.

لذا، فقد أدى هبوط أسعار البترول إلى هبوط إيرادات الحكومة السعودية مما أدى بدوره إلى تقليل قدرتها على الإنفاق. وكان من الطبيعي بعد هذا أن تتخذ المملكة العربية السعودية حزمة من الإجراءات من شأنها تقليل هذا الضرر عن طريق تقليل مصروفاتها والدعم الذي كانت تقدمه للمواطنين السعوديين من ناحية، وفرض ضرائب للمرة الأولى في تاريخها من الناحية الأخرى.

على المستوى المحلي، أثر هذا بالسلب على قوة السعوديين الشرائية ورغبتهم في إنفاق مدخراتهم على شراء عقارات جديدة ومستوى الطلب بها وبالتالي هبوط مستوى أسعار العقارات. أما على المستوى الإقليمي والدولي، أدى ركود صناعات البترول إلى تقليل إنجذاب المستثمرين إلى سوق المملكة العربية السعودية وأدى هذا بالتالي إلى تقليل معدلات توظيف قطاع الطاقة والبترول.

ومن الجدير بالذكر هنا أن المغتربين لعبوا دوراً كبيراً في التأثير على إقتصاديات المملكة العربية السعودية. فإنه من المتوقع أن يرحل أكثر من 650،000 مغترب بحلول عام 2020. وأدى هذا إلى زيادة الأصوات المطالبة بسعودة الوظائف المحلية (المعروفة أيضاً بإسم مبادرة نطاقات)، بالإضافة إلى هذا، فقد كان لهذا تأثير سلبي على سوق العقارات في السعودية وخصوصا على العقارات المعروضة للإيجار.

وللإنصاف، فإن هذا لم يحدث في المملكة العربية السعودية بل في كل دول الخليج العربي تقريباً، لكن التأثير كان أكبر على السعودية بسبب إعتمادها الكبير على الصناعات البترولية.

إلى جانب هذا، فيوجد سبب آخر وراء هبوط مستوى الطلب في السوق العقاري السعودي وهو تطبيق نظام نطاقات والذي يهدف إلى تقليل العمالة الأجنبية في المملكة من أجل توفير فرص عمل أكتر للشباب السعودي. لمعرفة المزيد عن هذا، إقرأ تحليلنا عن السعودة وتأثيرها على السوق العقاري السعودي.

مستقبل سوق العقارات في السعودية:

ar-blog-2

بغض النظر عن الأزمات التي مرت بها المملكة خلال آخر سنتين، فإن الخبراء يتوقعون أن سوق العقارات في السعودية سوف ينشط مجدداً على المدى البعيد بسبب التغييرات والسياسات الجديدة التي يتم تخطيطها وتنفيذها في الوقت الحالي من قبل الحكومة السعودية.

ولعل أبرز هذه التغييرات المؤثرة على سوق العقارات السعودي تأتي كجزء من رؤية السعودية 2030 وبرنامج التحول الوطني. وتهدف هذه الإجراءات إلى التغلب على العراقيل التي يواجهها سوق االعقارات في السعودية خاصة القطاع السكني مثل أسعار الأرض المرتفعة وعدم التوازن بين العرض والطلب.

دعونا نستعرض سوياً أهم الإجراءات والعوامل التي من شأنها التأثير على السوق العقاري:

  • تطبيق ضريبة القيمة المضافة:ar-blog-3

كشأن معظم دول الخليج العربي في الوقت الحالي، قررت المملكة العربية السعودية تطبيق ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% للمساعدة على إنعاش إقتصادها وزيادة إيراداتها. وقد تم تفعيل القانون بالفعل إبتداءً من أولى أيام العام الحالي وقد تم تطبيق الضريبة على جميع السلع والخدمات بإستثناء بعض الأساسيات.

وعلى الرغم من أن العديد من الخبراء والمستثمرين قد أعربوا عن قلقهم بشأن التأثير السلبي الذي قد تحدثه هذه الضريبة على البيئة الإستثمارية في السعودية – خاصةً إذا أخذنا بعين الإعتبار أن المملكة لم تقم بفرض أي ضرائب على مواطنيها من قبل حتى عام 2017 – إلا أنه يجب أن ننوه أن ضريبة القيمة المضافة يتم تطبيقها في معظم دول العالم بنسب تصل في بعض الأماكن إلى 15%.

على الجانب الآخر، فإن المملكة العربية السعودية تقر العديد من القوانين التي من شأنها التخفيف والحد من هذا الأثر السلبي على مناخها الإستثماري والقوة الشرائية لمواطنيها. فعلى سبيل المثال، تم إعفاء قطاع الخدمات العامة من هذه الضريبة.

بالإضافة إلى ذلك، فيما يتعلق بسوق العقارات في السعودية، فإن إيرادات تأجير العقارات معفية من الضريبة وكذلك العقارات التي يتم بيعها للأقارب من الدرجة الرابعة على الأكثر. لهذا، فإنه من المتوقع أن يكون تأثير تلك الضريبة على سوق العقارات محدوداً للغاية.

لفهم المزيد عن هذا الأمر، بإمكانك قراءة مقالنا عن تأثير ضريبة القيمة المضافة على سوق العقارات في السعودية.

  • رسوم الأراضي البيضاء:

ar-blog-4

في شهر أبريل من عام 2017، أقرت المملكة السعودية ضريبة بنسبة 2،5% تسمى برسوم الأراضي البيضاء على الأراضي التجارية والسكنية التي لم يتم تطويرها بعد في الرياض وجدة والشرقية.

بموجب هذا القانون، فإن أصحاب الأراضي التجارية والسكنية التي لم يتم إستغلالها بعد والتي تزيد مساحتها على 10،000 متر مربع ملزمون بأن يقوموا بتطوير هذه الأراضي في خلال 12 شهراً لتفادي تطبيق الضريبة عليهم.

طبقاً لتقرير أصدرته شركة إرنست أند يونج للخدمات المالية بهذا الشأن، فإن هذه الضريبة ستساعد في زيادة المعروض من الوحدات السكنية التي تناسب أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط بنحو 400،000 وحدة. بالإضافة إلى هذا، فإن هذه الضريبة تهدف إلى ضمان المنافسة العادلة ومحاربة الإحتكار وتقليل أسعار الأراضي لتصل لمستوى معقول.

  • برامج التمويل العقاري:

ar-blog-5

في سياق تطبيق رؤية السعودية 2030، أطلق صندوق الإستثمارات العامة السعودي بالإشتراك مع وزارة الإسكان السعودية الشركة السعودية لإعادة التمويل العقاري والتي تهدف إلى زيادة العقارات المملوكة للمواطنين السعوديين بنسبة 50% قبل عام 2020.

وبالفعل، قامت هذه الشركة بتوفير ما يزيد على 280،000 ألف من المنتجات العقارية في خلال عام 2017 والتي تنوعت ما بين 85،000 قرض عقاري ميسر، و77،000 قطعة أرض سكنية مجهزة و120،000 وحدة سكنية.

  • الإتجاه نحو شراء شقق صغيرة المساحة بدلا من الفلل:

ar-blog-6

في الفترة، تزايد إقبال المواطنين السعوديين على شراء الشقق الصغيرة المساحة التي تناسب إمكانياتهم المادية في مقابل إبتعادهم عن شراء الفلل تدريجياً بسبب ضعف قوتهم الشرائية وقلة الإنفاق الحكومي. ومن المتوقع أن يستمر هذا الإتجاه في خلال السنوات المقبلة.

ولكي نضع الأمر في سياق مفهوم بالأرقام، يجب أن نذكر أن متوسط سعر متر الفلل قد إنخفض بنسبة 5% في الرياض، وبنسبة 24% في جدة و28% في الشرقية. على الجانب الآخر، فقد إزداد متوسط سعر متر الشقق بنسبة 36% في الرياض وإنخفض بنسبة 7% في الشرقية فيما ظل مستقراً إلى حد كبير في جدة.

ولكي نتعمق أكثر في تأثيرات هذه العوامل، دعونا نفحص أداء أكبر ثلاثة أسواق عقارية محلية في المملكة:

  • الرياض:

بسبب كونها عاصمة المملكة العربية السعودية، فإن الرياض تعد أهم سوق عقاري محلي بها. لسوء الحظ، كان هناك في الفترة الأخيرة حالة من عدم التوازن بين الطلب على الوحدات التي يناسب سعرها أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط والمعروض من هذه الوحدات.

ومن المتوقع أن يزيد الطلب أكثر على هذه النوعية من الوحدات خلال السنوات القادمة. لكن، على الجانب الآخر، فإن المعروض من هذه الوحدات من المتوقع له أن يزداد أيضاً لعدة أسباب أهمها زيادة مشاريع تنمية وبناء الضواحي خارج المناطق المزدحمة بالمدن وتوسيع رقعات البناء بها، إلى جانب برامج التمويل المعماري التي تدعمها وزارة الإسكان.

على سبيل المثال، قام برنامج سكني بتوفير نحو 38،000 منتج عقاري خلال عام 2017 التي تضمنت قروض عقارية ميسرة وأراض سكنية مطورة ووحدات سكنية في الرياض. طبقاً لتقرير أصدرته مؤسسة نايت فرانك للأبحاث، فإن المعروض من الوحدات من المتوقع له أن يزداد بنسبة 2% سنويا حتى عام 2020.

  • جدة:

وتعد جدة ثاني أكبر مدن المملكة، وهناك عدة عوامل يتوقع الخبراء أن تؤثر على نشاط سوقها العقاري أهمها الزيادة السكانية والتي من المتوقع لها أن تصل إلى 2،5% سنوياً حتى عام 2022.

على غرار سوق الرياض العقاري، فإن هذا الطلب المتزايد على الوحدات ذات الأسعار المنخفضة والمتوسطة لم يقابله عرض كاف في السوق. ومن المتوقع أن يستمر هذا الأمر على المدى القريب.

ومع ذلك، ومثلما حدث في الرياض، فإن برامج التمويل السكني من المتوقع لها أن تساعد في إنهاء حالة عدم التوازن وإكمال ما بدأته بالفعل في العام السابق. ففي 2017، قام برنامج سكني بتوفير 32،000 منتج عقاري لسكان منطقة مكة. ومن المتوقع لهذا العدد أن يزداد مع إصدار دفعات جديدة من البرنامج.

ومثلما كان الأمر مع الرياض، فإن المعروض من الوحدات في جدة من المتوقع له أن يزداد بمعدل 2% سنوياً حتى عام 2020.

 

  • المنطقة الشرقية:

يعد الأمر هنا مختلف قليلاً عن جدة والرياض، حيث أن المنطقة الشرقية مشهورة بكونها المسؤولة عن الجزء الأكبر من إنتاج المملكة من النفط. لهذا، فإن الطلب على الوحدات العقارية في الشرقية تأثرت سلباً بسقوط أسعار البترول، ومن المتوقع أن يستمر هذا التأثير على المدى القصير. وقد أدى هذا إلى وجود عدم توازن بين العرض والطلب في السوق بسبب زيادة العرض عن الطلب.

لكن من المتوقع أن تقوم ضريبة الأراضي البيضاء بتأثير عكسي على هذه الحالة، بالإضافة إلى البرامج السكنية واللتان تشاركان في إعادة إحياء سوق العقارات في السعودية بشكل كبير. وفي 2017، تم توزيع حوالي 25،000 منتج عقاري في منطقة الشرقية كجزء من دفعات برنامج سكني.

رؤية السعودية 2030 وتأثيرها على سوق العقارات في السعودية:

ar-blog-7

في خلال العام الماضي، شهدت المملكة العربية السعودية تغييرات إجتماعية وسياسية وإقتصادية كبرى. ومن أبرز الأمثلة على هذه التحولات هو إتجاه سياسات المملكة بشكل ثابت – وإن كان بطيئاً بعض الشئ – نحو تمكين المرأة، والذي بدأ بالسماح للنساء السعوديات بقيادة السيارات.

لكن لعل أبرز هذه التغييرات بدأ قبل ذلك في شهر أبريل من عام 2016، حينما أعلن ولي العهد السعودي الأمير بن سلمان عن إطلاقه لبرنامج رؤية السعودية 2030. وبعد هذا بعام ونصف، تحديداً في شهر أكتوبر من عام 2017، أوضح بن سلمان تفاصيل أكثر عن الرؤية من ضمنها الإعلان عن إطلاق مشروع مدينة نيوم الضخم والتي تعتبر أول المدن العابرة للحدود في المنطقة.

وتهدف رؤية السعودية 2030 إلى مساعدة أكبر ممالك شبه الجزيرة العربية على تخطي الأزمة الإقتصادية التي تمر بها في الوقت الراهن عبر تنويع مصادر دخلها والتركيز على تطوير القطاعات الإقتصادية الغير بترولية وقطاعات الخدمة العامة. وعلى قمة هذه القائمة يأتي سوق العقارات في السعودية وقطاع الطاقة النظيفة.

ختاماً، فإن الركود الذي يعاني منه سوق العقارات في السعودية من المتوقع له أن يستمر على المدى القصير ولكن من المتوقع أيضاً لمعدل الهبوط هذا أن يتباطئ مع الوقت حتى يصل السوق إلى مرحلة التوازن بمساعدة البرامج والسياسات التي تدعمها وتنتهجها الحكومة والإتجاه نحو الإعتماد على القطاعات الغير بترولية.