على الرغم من أن إقتصاد المملكة العربية السعودية ظل محافظاً على إستقراره لعقود طويلة، فإن الأحوال تغيرت بشكل غير مسبوق في السنوات الأخيرة. فبسبب إعتماه على الصناعات البترولية، كان إقتصاد المملكة هو الأكثر تضرراً وتأثراً – ربما في العالم كله – بهبوط أسعار الذهب الأسود، وهو التأثير الذي دفع أكبر ممالك شبه الجزيرة العربية إلى إتخاذ وإصدار العديد من السياسات والقوانين لتقليل هذا الضرر، ومن هذه السياسات رسوم الأراضي البيضاء.

تأُثير الفراشة

تأُثير الفراشة

قبل أن نستطرد بالحديث عن قانون رسوم الأراضي البيضاء الجديد، دعونا نتوقف ونلقي نظرة على تداعيات هبوط أسعار البترول وكيف أثرت على مختلف القطاعات والصناعات في المملكة العربية السعودية، خاصة قطاع العقارات.

كما إنخفضت أسعار الذهب الأسود، إنخفضت إيرادات الحكومة السعودية كذلك. وكنتيجة لهذا الأمر، إضطرت الحكومة السعودية لتقليل نفقاتها ومصاريفها للتأقلم مع التغييرات الجديدة، وهذا غير تأثير هذا الإنخفاض على إهتمام مستثمرين قطاع البترول بالعمل في المملكة وهو الذي أدى بدوره إلى إنخفاض معدلات التوظيف في قطاع البترول.

كل العوامل السابق ذكرها دفعت مواطني المملكة إلى ترشيد نفقاتهم وبالتالي تقليل قوتهم الشرائية ورغبتهم في الإستثمار عموماً وفي العقارات خصوصاً. لفهم المزيد عن هذا الأمر، يمكنك أن تجد تفاصيل أكثر هنا عن توقعات السوق العقاري السعودي في 2018.

مشكلة الأراضي الغير مطورة

مشكلة الأراضي الغير مطورة

قد تكون تداعيات أزمة سوق العقارات في المملكة العربية السعودية معقدة نوعاً ما، لكنها ستبدو منطقية إن نظرت للصورة الكاملة.

فمن ناحية، لدينا عرض زائد عن الحاجة من الوحدات السكنية باهظة الثمن (خاصة الفلل التي إنخفضت أسعارها خلال العام الماضي في أكبر أسواق المملكة المحلية) والتي قابلها طلب منخفض تأثر بقلة القوة الشرائية؛ ومن الناحية الأخرى، إرتفع الطلب على الوحدات السكنية التي تناسب الدخل المتوسط والمنخفض بدون أن يكون هناك عرض كاف من هذه الوحدات.

أدى هذا الإختلال إلى زيادة آثار الأزمة وتداعياتها على النمو الإقتصادي للمملكة العربية السعودية. لكن الجزء المعقد من الأزمة ليس التناقض بين العرض المبالغ في أحد شرائح السوق والطلب المبالغ في شريحة أخرى، بل أنه يتعلق بأن العرض الغير كاف من الوحدات المناسبة لأصحاب الدخل المتوسط والدخل المنخفض حدث بالرغم من وفرة الأراضي السكنية – أو بمعنى أدق، الأراضي البيضاء.

والأراضي البيضاء هي الأراضي التي تم تخصيصها كأراض سكنية أو تجارية ولكنها لا زالت غير مطورة ولم يتم البدء في أي أعمال بناء بها بعد. ويمكن إرجاع هذا إلى العديد من الأسباب التي قد يكون بعضها مقصود مثل تسقيع الأراضي (والمقصود هنا هو شراء الأراضي الغير مطورة بسعر منخفص وتركها كما هي لبيعها فيما بعد بسعر أعلى كطريقة لتحقيق المكسب المالي).

حل رسوم الأراضي البيضاء

حل رسوم الأراضي البيضاء

في خطوة منها نحو التخلص من حالة عدم التوازن في سوق العقارات من ناحية ونحو تحقيق أهداف رؤية السعودية 2030 – وهي إستراتيجية طويلة المدى تهدف إلى تقليل إعتماد المملكة العربية السعودية الإقتصادي على صناعات البترول عبر تدعيم القطاعات الغير بترولية وتطوير الخدمات العامة، أعلنت حكومة السعودية عن تطبيقها لما يعرف بإسم ضريبة أو رسوم الأراضي البيضاء.

ومن الجدير بالذكر هنا أن مواطنو المملكة العربية السعودية لم يتم تطبيق أي ضرائب عليهم لعقود عديدة. ولكن رسوم الأراضي البيضاء ليست الضريبة الوحيدة التي تم تطبيقها عليهم.

في بداية العام الحالي، قامت الحكومة السعودية بتطبيق ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% على معظم السلع والخدمات بإستثناءات بسيطة مثل الخدمات العامة والعقارات المؤجرة والعقارات المباعة للأقارب حتى الدرجة الرابعة. للمزيد، يمكنك أن تجد مقالاً مفصلاً هنا عن تأثير ضريبة القيمة المضافة على إقتصاد المملكة العربية السعودية وسوقها العقاري.

أما ضريبة القيمة المضافة فقد تم إقرارها في مارس من عام 2017 بعد أن وافق عليها مجلس الشورى السعودي قبل هذا بعام، وهي مختلفة عن ضريبة القيمة المضافة في نواح كثيرة.

يلزم قانون رسوم الأراضي البيضاء أصحاب الأراضي السكنية والتجارية الغير المطورة بدفع ضريبة بنسبة 2،5% من قيمة الأرض إذا لم يبدأوا في تطويرها في خلال إثنى عشر شهراً من تاريخ بدء تطبيق الضريبة. وتهدف هذه الضريبة إلى تقليل الفجوة ما بين العرض والطلب في أسواق العقارات في جدة والرياض ومكة والمنطقة الشرقية لتحقيق ثلاثة أهداف: زيادة المعروض من الأراض السكنية، تقليل أسعار الأراضي حتى تصل إلى سعر مناسب وعادل، وتشجيع المنافسة ومحاربة الإحتكار.

ومن المخطط أن يتم تطبيق الضريبة على أربع مراحل تتضمن الأراض الغير مطورة والمطورة:

  • المرحلة الأولى تتضمن جميع الأراضي الغير مطورة التي تمتد مساحتها لأكثر من 10،000 متر مربع داخل الحدود التي تقرها وزارة الإسكان السعودية.
  • المرحلة الثانية ستتضمن الأراض المطورة المملوكة لنفس الشخص داخل نطاق محدد والتي تتجاوز مساحتها الإجمالية 10،000 متر مربع.
  • المرحلة الثالثة تتضمن الأراضي المطورة التي تتجاوز مساحتها ال5،000 متر مربع.
  • وأخيراً المرحلة الرابعة التي تضضمن الأراضي المطورة المملوكة لنفس الشخص في نفس المدينة والتي تتجاوز مجموع مساحتها أكثر من 10،000 متر مربع.

شكوك ومخاوف حول رسوم الأراضي البيضاء

شكوك ومخاوف حول رسوم الأراضي البيضاء

على الرغم من النتائج الإيجابية المتوقعة لتطبيق ضريبة رسوم الأراضي البيضاء، فإن العديد من خبراء السوق والعقاري ومطوريه قد عبروا عن عدة شكوك ومخاوف لديهم حول مدى فعالية تطبيقه:

فعلى سبيل المثال، هناك مخاوف منطقية من أن بعض ملاك ومطوري الأراضي التي سيطبق عليها القانون قد يلجأون إلى بناء عقار صغير لمجرد أن يهربوا من دفع الضريبة، وقد يؤدي هذا إلى أن تصبح الكثير من هذه الأراض المطورة غير مستخدمة بشكل كامل يسمح بأقصى إستفادة ممكنة منها.

أيضاً، هناك مخاوف أخرى بشأن قدرة وزارة الإسكان السعودية على مراقبة وتنفيذ هذا القانون بكفاءة بسبب إنشغالها بعدة مشاريع وبرامج أخرى في الوقت الحالي، وكنتيجة لهذا، فإن الكثير من الخبراء إقترحوا ونادوا بأن يتم تشكيل لجنة تتخصص في متابعة نفاذية هذه السياسة وتطبيق العقوبات والجزاءات اللازمة على من يتهرب منها.

التأثير المتوقع لتطبيق رسوم الأراضي البيضاء

التأثير المتوقع لتطبيق رسوم الأراضي البيضاء

في الوقت الحالي، يوجد أكثر من 1،100 قطعة من قطع الأراضي الغير مطورة في كل من جدة والرياض والمنطقة الشرقية ومكة وتتجاوز مساحتهم الإجمالية أكثر من 400،000 متر مربع.

وتهدف ضريبة رسوم الأراضي البيضاء إلى تشجيع تطوير هذه الأراضي كي تساهم في تلبية الطلب المتزايد عليها في الأسواق العقارية المحلية في كل من هذه المدن. وبسبب هذا، فإنه هناك توقعات متفاءلة بأن تساعد هذه الضريبة في تنمية وإنعاش سوق المملكة العربية السعودي بشكل عام وهو الذي يتسق مع الخطوات التي تتخذها المملكة نحو تحقيق رؤية السعودية 2030.

ختاماً، ففي حين أن أزمة السوق العقاري السعودي من المتوقع لها أن تمتد على المدى القصير، فإن التشريعات والقوانين المتعددة التي تفرضها الحكومة السعودية في الوقت الحالي سوف تساعد على تقليل أثر الأزمة حتى يختفي تماماً وعكسه ليساعد في نمو الإقتصاد السعودي.