خطوة كبرى نحو تنويع مصادر دخل المملكة

خطوة كبرى نحو تنويع مصادر دخل المملكة: لا يخفى على أحد أن المملكة العربية السعودية قد بدأت فى الآونة الأخيرة أن تتوسع فى الأنشطة الإقتصادية بعيداً عن مجال الطاقة وإستخراج البترول. بسبب التقلبات الحادة في أسعار الذهب الأسود فى السنوات السابقة، قررت أكبر دول شبه الجزيرة العربية أن تقلل من إعتمادها الكبير على البترول لتنمية قطاعاتها الإقتصادية الأخرى والتعزيز من قدراتها الإقتصادية. وتأتى مدينة نيوم المستقبلية كخطوة كبرى نحو تحقيق هذا الهدف.

وتعتبر مدينة نيوم هى أول مدن منطقة الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية التي سوف تكون عابرة للحدود حيث أنه سيتم بناءها في مدينة تبوك فى أقصى الشمال الغربي للمملكة وستمتد مساحتها عبر حدود دولتين إلى جانب السعودية وهما الأردن ومصر. ويأتي إسم المدينة كإسم مشتق من كلمتين أولاهما هي كلمة (نيو) اللاتينية بمعنى (جديد) والثانية هى كلمة (مستقبل) المختصرة فى حرف الميم ليكون معنى إسم المدينة (المستقبل الجديد).

مركز العالم الجديد

مركز العالم الجديد: من المخطط أن تمتد مدينة نيوم على مساحة إجمالية تصل ل10،000 ميل مربع (26،500 كيلومتر مربع) بخط ساحلي يصل لحوالي 486 كيلومتر على طول ساحل البحر الأحمر. وسوف تصل تكلفة تطوير المدينة إلى أكثر من 500 مليار دولار سوف تقوم بتزويدها حكومة المملكة العربية السعودية إلى جانب الإستثمارات المحلية والأجنبية.

إلى جانب هذا، فإن مدينة نيوم تعتبر جزء أساسي من رؤية السعودية لعام 2030، وهي خطة وضعها الأمير محمد بن سلمان ولي عهد العرش السعودى لتطوير صناعات وقطاعات عديدة فى المملكة خلال ال15 عام القادمين وذلك لدعم الإقتصاد السعودي وضمان إستدامته وكفائته بعيداً عن قطاع البترول والطاقة الغير مستقر حالياً على مستوى العالم كله.

ومن المتوقع أن يتم الإنتهاء من بناء وتطوير المرحلة الأولى من هذا مشروع مدينة نيوم الضخم بحلول عام 2025. كما أنه من الجدير بالذكر أن المدينة سيكون لها كيان قانوني وحكومي مستقل عن حكومة المملكة العربية السعودية حيث سوف تكون لها قوانين الضرائب والعمل والإستثمار الخاصة بها.

وتهدف هذه الإجراءات إلى جعل المدينة مركز مستقبلي أقرب ل(يوتوبيا) أو المدينة الفاضلة كما أنها سوف تكون محور لتجارة وصناعات العالم عبر التركيز على 9 مجالات وصناعات أساسية تعتبر هي التى ستشكل مستقبل العالم في الفترة القادمة وهي قطاع الطاقة والمياه، وقطاع المواصلات، وقطاع التكنولوجيا الحيوية، وقطاع الغذاء، وقطاع التصنيع المتطور، وقطاع الإعلام، وقطاع الترفيه، وقطاع العلوم الرقمية.

منارة لمستقبل العالم

منارة لمستقبل العالم: على عكس المدن المستقبلية الكبرى الأخرى في المملكة العربية السعودية – سواءاً تلك التي تعتبر فى طور الإنشاء والتطوير أو التي ما زالت مجرد فكرة لم يبدأ العمل فيها بعد – فإن الهدف الأساسي من مدينة نيوم ليس هو خلق فرص وظيفية جديدة للشباب السعودي الذي يمثل النسبة الأكبر من تعداد سكان المملكة. طبقاً لتصريحات الأمير محمد بن سلمان، فإن مدينة نيوم ستكون منارة لجذب أفضل عقول ومواهب وإستثمارات العالم كله.

وتعد هذه الرؤية المستقبلية تحولاً كبيراً ليس فقط في سياسات المملكة العربية السعودية، بل أيضاً في منظومتها وتكوينها الإجتماعي والثقافي. فعلى مدار عقود عديدة، ظلت المملكة مشهورة بعاداتها وتقاليدها وقوانينها المتحفظة. وهو الأمر الذي بدأ يتغير بشكل جذري فقط فى الآونة الأخيرة ليتناسب مع رؤية السعودية 2030.

ومن أجل تدعيم صورتها كمدينة مستقبلية عالمية، فإن الفيديو الدعائى الذي تم من خلاله الإعلان عن مشروع مدينة نيوم تضمن مشاهد تعتبر غريبة وغير مألوفة على المجتمع السعودي مثل مشهد راقصة البالارينا ومشهد الحفل الموسيقي. هذا التغيير سيساعد المملكة على جذب الإستثمارات الأجنبية ودائماً ما كان هذا يمثل تحدياً كبيراً للمملكة العربية السعودية بسبب سياساتها المتحفظة.

إلى جانب هذا، فإنه من المخطط أن يضم مشروع مدينة نيوم المستقبلية آليين بأعداد تساوي بل وقد تزيد عن أعداد السكان بينما سوف توفر طاقتها بشكل كامل عن طريق الإعتماد على مصادر الطاقة المتجددة (طاقة الرياح والطاقة الشمسية تحديداً. كما أن الخدمات والعمليات اليومية فى المدينة ستكون آلية بالكامل مما سيحقق أعلى مستوى ممكن من الكفاءة.

موقع إستراتيجي

موقع إستراتيجي: بسبب وجودها على ساحل البحر الأحمر عند نقطة التلاقي الجغرافية لقارات آسيا وأفريقيا وأوروبا وبالقرب من جسر الملك سلمان الذي سيربط قارتي آسيا وأفريقيا، فإن مدينة نيوم ستطل على البوابة التي تمر من عبرها حوالي 10% من حركة التجارة والشحن والخطوط التجارية العالمية تقريباً. إلى جانب هذا، فإن أراضي المدينة ستضم جبال يصل إرتفاعها إلى 2،500 متر وسيكون مناخها منخفض عن درجات حرارة باقي مناطق المملكة بحوالي 10 درجات مئوية.

على الجانب الآخر، فإن كيان مدينة نيوم المستقل حكومياً بالإضافة إلى قوانينها الخاصة ستوفر لمستثمريها ومواطنيها العديد من الحوافز وقوانين العمل والضرائب التي سوف تساعد على تشجيع الإستثمار بها.

التحديات والمنافسة

التحديات والمنافسة:

على الرغم من أن مدينة نيوم بمخططها الحالي أصبحت محط أنظار الكثير من المستثمرين حول العالم، إلا أن الكثير من الخبراء أيضاً يخشون ألا تستطيع المدينة أن تحقق الهدف المرجو منها بسبب المنافسة الشديدة التي تقابلها حالياً والتي سوف تزداد شراسة فى خلال العقد القادم. فالمملكة العربية السعودية ليست أولى دول المنطقة التى تلجأ إلى حل إنشاء المدن المستقبلية والمراكز التجارية الكبيرة لكي تحل محل صناعة الطاقة والبترول كمكون أساسي لقوتها الإقتصادية. بل على العكس، ربما تكون السعودية من آخر دول مجلس التعاون الخليجى التي تنضم لسباق المدن المستقبلية الذي ظلت دبي ومن وراءها الإمارات العربية المتحدة تتقدمه لسنوات عديدة وحتى آلآن.

لهذا، فإن مدينة نيوم سيتوجب عليها أن تخلق لنفسها ميزة تنافسية كبرى وواضحة تجعلها تبرز بين منافسيها فى المنطقة لكي تنجح فى تحقيق الهدف الذي سيتم تطويرها لأجله. في الوقت الحالي، هناك العديد من المدن المستقبلية التي يتم تطويرها سواءً على أرض الواقع أو كمجرد فكرة فعلى سبيل المثال لا الحصر، هناك مدينة الحرير فى الكويت ومدينة لوسيل فى قطر التي ستستضيف كأس العالم لكرة القدم فى عام  2022 ومدينة مصدر فى الإمارات ومدينة دقم فى سلطنة عمان إلى جانب العديد من المدن الأخرى.

على الجانب الآخر، فإن مدينة نيوم وموقعها الفريد المطل على نقطة تلاقي ثلاث قارات وأهم خطوط التجارة العالمية بالإضافة إلى كون خدماتها وعملياتها آلية بالكامل سوف تساعد فى تسويقها وجعلها تبرز بصورة مختلفة عن باقي المنطقة أمام المستثمرين الأجانب. لذا، فإنه من المتوقع أن مدينة نيوم، عند الإنتهاء من إنشائها وتطويرها، سوف تكون لها مكانة كبرى بين المدن المستقبلية فى منطقة الخليج العربي.